أبي بكر جابر الجزائري

23

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

تعالى تَنْزِيلُ « 1 » الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أي تنزيل القرآن كان من عند اللّه العزيز أي الانتقام من أعدائه الحكيم في تدبير أمور خلقه وقوله تعالى : إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي في خلقهما وإيجادهما وما فيها من عجائب الصنعة لآيات للمؤمنين « 2 » تدلهم على استحقاق ربهم للعبادة دون سواه من سائر خلقه ، وخصّ المؤمنون بهذه الآيات لأنهم أحياء يسمعون ويبصرون ويعقلون فهم إذا نظروا في السماوات والأرض تجلت لهم حقائق أن الخالق لهذه العوالم لن يكون إلا قادرا عليما حكيما عزيزا ومن ثم وجب أن لا يعبد إلا هو ، وكل عبادة لغيره باطلة . وقوله : وَفِي خَلْقِكُمْ أيها الناس أي في أطوار خلقكم من نطفة إلى علقة إلى مضغة إلى بشر سوى الخلقة معتدل المزاج والتركيب له سمع وبصر ونطق وفكر . وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ أي وما يخلق وما يفرق وينشر في الأرض من أنواع الدواب والبهائم والحيوانات على اختلافها من برية وبحرية آياتٌ لِقَوْمٍ « 3 » يُوقِنُونَ أي يوقنون في إيمانهم باللّه تعالى وآياته ، كما يوقنون بحقائق الأشياء ، الثابتة لها فالواحد مع الواحد اثنان والموجود ضد المعدوم ، والأبيض خلاف الأسود ، والابن لا بد له من أب ، والعذب خلاف المر فأصحاب هذا اليقين يرون في خلق الانسان والحيوان آيات دالة على وجود اللّه وعلمه وعزته وحكمته وقدرته على البعث والجزاء الذي أنكره عادمو العقول من المشركين والكافرين . وقوله : وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي بتعاقبهما بمجيء الليل وذهاب النهار ، والعكس كذلك وبطول أحدهما وقصر الآخر تارة والعكس كذلك وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ أي من مطر هو سبب الرزق فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بيبس النبات وموته عليها ، وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ من صبا إلى دبور ، ومن شمال إلى جنوب ومن رخاء لينة إلى عاصفة ذات برد أو سموم إن في المذكورات آيات حججا ودلائل دالة على وجود عبادة اللّه وتوحيده في ذلك ، ولكن لِقَوْمٍ « 4 » يَعْقِلُونَ أي لذوي العقول النيرة السليمة . أما الذين لا عقول لهم فلا يرون ولا في غيرها آية فضلا عن آيات .

--> ( 1 ) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مبتدأ خبره مِنَ اللَّهِ وإيثار وصفي الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ من بين أسماء اللّه وصفاته الإيماء إلى أن هذا الكتاب ذو نبأ عظيم فهو عزيز بعزة منزله لا يقدر على مثله وذو حكم لا يخلو منها . ( 2 ) كون الآيات للمؤمنين دون الكافرين باعتبار أنهم هم المنتفعون بها لأنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون والكافرون فاقدون لذلك فلم تكن الآيات لهم لعدم انتفاعهم بها . ( 3 ) اليقين لا يكون إلا بعد الإيمان فالإيمان يثمر اليقين فالمؤمن يرى في خلق السماوات والأرض أي في إيجادهما على ما هما عليه آيات على قدرة اللّه تعالى وعلمه وحكمته فيرتفع إيمانهم إلى مرتبة اليقين فيرون في أدق الأشياء كالأجنة في الأرحام وما هو أخفى يرون فيه آيات تزيد في يقينهم وتحملهم على حبهم للّه وطاعتهم له والتقرب إليه . ( 4 ) والعقل مرتبة ثالثة بعد الإيمان واليقين في باب الاهتداء فالذي يرى اختلاف الليل والنهار ونزول الأمطار وما ينجم عنها من نباتات وزروع ولم يهتد إلى الإيمان فيؤمن فهو غير عاقل ولا يصح نسبته إلى العقلاء .